خالد الربيعان
جمهور روشن
2026-02-15
لم تعد كرة القدم في عصر المنصات الرقمية تُسوَّق بالحملات الإعلانية التقليدية أو بالأسماء الكبيرة فقط، بل أصبحت الجماهير نفسها هي المسوّق الأول للدوريات، وصانع القيمة الحقيقية لعقود البث. فالقيمة اليوم لا تُقاس بعدد النجوم أو حجم الإنفاق، بل بقدرة الجماهير على تحويل كل مباراة إلى تجربة حيّة وقصة مستمرة تُروى قبل المباراة وأثناءها وبعدها، عبر المدرجات والمنصات الرقمية في آنٍ واحد.
في دوري روشن السعودي تتجلى هذه المعادلة بوضوح. الناقل الرسمي لا يشتري 90 دقيقة لعب فقط، بل جمهورًا مستعدًا أن يشاهد، ويعود، ويدفع، ويتفاعل. فكل ارتفاع في نسب الحضور داخل الملاعب يعني صورة تلفزيونية أكثر جاذبية، وكل زيادة في نسب المشاهدة تعني قيمة إعلانية أعلى داخل البث، وكل تفاعل رقمي ممتد قبل وبعد المباراة يعني زمن انتباه أطول يمكن بيعه للمعلنين.
الجمهور اليوم لم يعد متفرجًا، بل شريكًا في صناعة المشهد. قبل انطلاق المباريات تبدأ النقاشات والتوقعات، وخلالها تنتشر اللحظات والانفعالات، وبعدها تتحوّل الأهداف والقرارات التحكيمية إلى محتوى يتداوله الملايين. هذه الدورة المستمرة تصنع «استدامة المشاهدة». فالناقل يقيس عدد المشاهدين، ومتوسط زمن المشاهدة، ومعدل التفاعل الرقمي، وكلما ارتفعت هذه المؤشرات، ارتفعت قوة الدوري في أي مفاوضات مستقبلية على حقوق البث.
وتكمن القوة الأعمق في أن الجماهير تصنع هوية الدوري. الأهازيج، الألوان، الديربيات، والذاكرة الجماعية تمنح المنتج شخصية خاصة. المشاهد الخارجي لا يتابع المباراة فقط، بل يتابع الشغف والانتماء. وهذه العناصر هي ما تجعل الدوري قابلًا للتصدير، وجاذبًا للمنصات الدولية.
ومع صعود السوشال ميديا، تضاعف التأثير. كل من يحضر المباراة، أو يشاهدها، أو يعلّق عليها، أو يشاكس جماهير نادٍ آخر، يشارك في رفع قيمة الدوري السوقية. المزاح، الجدل، المقاطع القصيرة، كلها تتحوّل إلى دعاية غير مباشرة تزيد من انتشار الدوري خارج حدوده الجغرافية، وتنعكس مباشرة على تقييمه التجاري.
وهنا نقطة مفصلية: الناقل الرسمي لا بد أن يدرك أنَّ الجمهور العاشق للسوشال ميديا ليس خصمًا لحقوق البث، بل شريكًا في تعظيمها. فحرمان المشجع من الإبداع في نقل اللحظات، أو تقييد تفاعله المسموح، قد يقلّص دائرة الانتشار بدل أن يحميها. المطلوب ليس فك الحقوق، بل «فك المساحة» للمحب والعاشق كي يبتكر ضمن إطار منظم. لأن كل مقطع متداول، وكل لحظة يعيد الجمهور صياغتها بطريقته، هي امتداد مجاني للبث الرسمي وليست منافسًا له.
كما أن الجماهير ترفع القيمة التسويقية للاعبين والأندية معًا. فاللقطة التي يصنعها اللاعب داخل الملعب تتحوَّل بفضل التفاعل الجماهيري إلى أصل تجاري قابل لإعادة التداول. وكلما زاد التفاعل، زادت شهية المعلنين، وارتفعت قيمة البث والرعايات، لأن الشركات تبحث عن مجتمع نشط لا عن مشاهد صامت.
في التجربة السعودية الحالية، لم يكن الزخم نتاج الصفقات وحدها، بل نتاج جماهير أعادت رواية الدوري بلغتها الخاصة. الحضور، النقاشات اليومية، والانتشار الرقمي المستمر، كلها شكَّلت منظومة تسويق غير مباشرة عزَّزت مكانة الدوري في نظر أي ناقل رسمي.
في النهاية، قيمة الدوري لا تُبنى بالإعلانات وحدها، بل بالجماهير التي تعيش قصته وترويها يوميًّا. فالناقل الرسمي يستثمر في الشغف بقدر ما يستثمر في الإنتاج. وعندما يُمنح المشجع مساحة ليبدع، يتحوَّل من مستهلك محتوى إلى صانع قيمة، ويرتفع سقف الأرقام بقدر ما يرتفع صوت المدرجات ويتسع صدى المنصات.