جليمت.. بلدة تحجب الشمس وتشع في دوري الأبطال

لاعبو بودو جليمت النرويجي خلال احتفالهم بالعبور إلى دور الـ16 (أرشيفية)
الرياض ـ إبراهيم آل صالح 2026.03.11 | 05:42 pm

في أقصى شمال النرويج، خلف الدائرة القطبية الشمالية، تقع مدينة صغيرة اسمها بودو، بلدة صيد هادئة لا يتجاوز عدد سكانها نحو 55 ألف نسمة، تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن أوسلو العاصمة، وتطل على الساحل الغربي المطل على بحر النرويج، في هذه المدينة البعيدة، إذ تقل ساعات ضوء الشمس في أقصر أيام الشتاء إلى أقل من ساعة، ويضطر اللاعبون إلى تناول مكملات غذائية لتعويض نقص أشعة الشمس، نشأت واحدة من أكثر القصص غرابة في دوري أبطال أوروبا.
عند إلقاء نظرة على قائمة الأندية المتأهلة إلى دور الـ16 من البطولة، تظهر أسماء معتادة من نخبة كرة القدم الأوروبية مثل ريال مدريد وبرشلونة الإسبانيين، وليفربول ومانشستر سيتي وأرسنال الإنجليزية، وبايرن ميونخ الألماني، لكن بين هذه الأسماء الكبيرة يظهر اسم مختلف تمامًا بودو جليمت.
هذا النادي المتواضع القادم من مدينة صغيرة، لم يكن من المتوقع أن ينافس عمالقة القارة، لكنه فعل ذلك بالفعل، بل ونجح في التغلب على عدد منهم خلال رحلته إلى دور الـ16 في البطولة الأقوى على مستوى الأندية الأوروبية.
خلال هذه الرحلة، حقق بودو جليمت انتصارًا تاريخيًّا على مانشستر سيتي بنتيجة 3ـ1 في ملعبه، كما فاز خارج أرضه على أتلتيكو مدريد الإسباني 2ـ1، قبل أن يتجاوز إنتر ميلان الإيطالي، وصيف النسخة الماضية، بعد أن تغلب عليه ذهابًا وإيابًا في الملحق المؤهل إلى دور الـ16، وذلك خلال فترة توقف الدوري النرويجي، في مفاجأة من العيار الثقيل.
ويواصل الفريق الآن مغامرته الأوروبية عندما يستضيف سبورتينج لشبونة البرتغالي في ذهاب دور الـ16 من البطولة، الأربعاء.
ملعب النادي «أسبميرا» لا يتسع سوى لنحو ثمانية آلاف متفرج، وهو ملعب صغير بالكاد يواكب متطلبات المباريات الكبيرة في دوري الأبطال، كما أنَّ أرضيته اصطناعية، وهو أمر يثير انتقادات في عالم كرة القدم بسبب اختلاف طريقة تدحرج الكرة وارتدادها مقارنة بالعشب الطبيعي، ومع ذلك، يسمح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم باستخدام الملاعب الاصطناعية المعتمدة حتى الدور قبل النهائي من بطولاته.
ويجري حاليًّا بناء ملعب جديد للنادي يحمل اسم «آركتيك أرينا» على أطراف المدينة، وسيتسع لنحو عشرة آلاف متفرج، وهو عدد لا يزيد كثيرًا عن سعة الملعب الحالي.
بعيدًا عن كرة القدم، اكتسبت مدينة بودو شهرة إضافية عام 2024 عندما تم اختيارها عاصمة للثقافة الأوروبية.
أما النادي نفسه، فقد تأسس عام 1916، لكنه انتظر أكثر من قرن كامل قبل أن يُتوَّج بلقب الدوري النرويجي للمرة الأولى في تاريخه، وجاء التحوّل الكبير بعد هبوط الفريق إلى الدرجة الثانية، عندما تم في أوائل عام 2017 الاستعانة ببيورن مانسفيرك ضمن الجهاز الفني كمدرب ذهني.
كان مانسفيرك طيارًا مقاتلًا سابقًا، وقد طوَّر أساليب استخدمها مع فريقه قبل مهمات القصف في ليبيا، وجلب معه فلسفة مختلفة إلى بودو جليمت، تقوم على تشجيع اللاعبين على التحدث بصراحة عن مشاعرهم، وتغيير سلوكياتهم ونظامهم فيما يتعلق بالإعداد والتغذية، إضافة إلى إزالة الوصمة المرتبطة بالتدريب الذهني.
وتبنى اللاعبون والمدرب كيتيل كنوتسن هذه الأساليب بشكل كامل، ومن بينها وجود مجموعة متناوبة من القادة لتقاسم مهام القيادة، وكذلك تجمع اللاعبين في حلقة بعد استقبال هدف لمناقشة ما حدث والحفاظ على التضامن داخل الفريق، وهو ما أسهم في تطور الفريق بشكل ملحوظ.
في عام 2020 تُوِّج بودو جليمت بلقب الدوري النرويجي للمرة الأولى في تاريخه، ثم حصد ثلاثة ألقاب من أصل خمسة في الأعوام التالية، كما حلَّ وصيفًا في العام الماضي، وامتد نجاح الفريق إلى المشاركات الأوروبية، إذ بلغ نصف نهائي الدوري الأوروبي الموسم الماضي قبل أن يخسر أمام توتنام هوتسبير الإنجليزي ذهابًا وإيابًا، ثم شارك بعد ذلك في دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى.
لا يضم الفريق أسماءً لامعة أو نجومًا كبارًا، كما أنَّه لا يعتمد على استثمارات ضخمة من ملاك أثرياء، لذلك فإن تشكيلته التي جرى بناؤها بتكلفة منخفضة تضم في معظمها لاعبين غير معروفين من النرويج والدنمارك، وفي آخر قائمة للمنتخب النرويجي تم استدعاء لاعبين فقط من بودو جليمت.
ويقود هجوم الفريق الدنماركي كاسبر هوج، البالغ من العمر 25 عامًا، الذي لم يسبق له تمثيل منتخب بلاده، إلى جانب ينس بيتر هاوج الذي عاد إلى النادي عام 2024 بعد أربعة أعوام قضاها في ميلان الإيطالي دون أن ينجح في إثبات نفسه هناك.
وتحت قيادة المدرب كنوتسن، الذي انضم إلى الفريق عام 2018 وقاده إلى الصعود، لم يعد بودو جليمت فريقًا يكتفي بالدفاع عن مرماه، بل أصبح فريقًا هجوميًّا يعتمد على أسلوب لعب سلس وكثافة عالية، وهو الأسلوب الذي ظهر بوضوح عندما تفوَّق على مانشستر سيتي بقيادة الإسباني جوسيب جوارديولا في ملعب أسبميرا.
ويخصص النادي ميزانية تبلغ 50 مليون يورو لعام 2026، مع توقع ارتفاعها كلما تقدم الفريق في دوري أبطال أوروبا. وإذا تمكن بودو جليمت من مواصلة مفاجآته وتجاوز سبورتينج لشبونة، فإنه سيواجه في الدور ربع النهائي إما أرسنال متصدر الدوري الإنجليزي الممتاز أو باير ليفركوزن بطل الدوري الألماني لموسم 2023ـ2024.