البوسنة.. أبناء الشتات يصنعون التاريخ مرتين
تحوَّل ملعب «بيلينو بولي» في زينيتشا إلى ما يشبه قلب ينبض خارج الصدر، كل دقيقة فيه حساب، كل نبضة مربوطة بالنتيجة، والجمهور يحمل على كتفيه ثقل تاريخ بلد كاد يختفي قبل 30 عامًا. البوسنة والهرسك أزاحت إيطاليا بركلات الترجيح بنتيجة 4ـ1 بعد تعادل 1ـ1 في 120 دقيقة، وكتبت اسمها في نسخة كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لتكون المشاركة الثانية في تاريخها بعد نسخة 2014 في البرازيل، والفاصل بين التجربتين 22 عامًا من النضال والحرمان والمحاولة المتواصلة.
اللاعبون الذين خطوا على أرضية زينيتشا هذه الليلة وُلد معظمهم في بلدان أخرى، وكثير من آبائهم حملوا أمتعتهم وأطفالهم الصغار هربًا من حرب اشتعلت في 6 أبريل 1992 وأحرقت كل شيء حتى توقفت في 14 ديسمبر 1995 بعد أن قضت على أكثر من 100 ألف إنسان، وشردت أكثر من مليوني شخص فقدوا بيوتهم. سرايفو العاصمة وحدها دفعت ثمنًا لا يُتصور، إذ قضت 1425 يومًا تحت الحصار الذي ذهب ضحيته 11541 شخصًا من بينهم 1601 طفل، في أطول ضربة حصار عاشها عاصمة في التاريخ الحديث، تفوَّق في امتدادها حصار ستالينجراد ثلاث مرات بحسب بيانات الأمم المتحدة.
إدين جيكو وُلد في سرايفو عام 1986، وكان في السادسة من عمره حين بدأ الحصار، وتحدث أكثر من مرة عن الغرف الضيقة التي كانت تضم نحو 15 فردًا من العائلة، والجوع، والخوف من الصوت الذي لا ينتهي. نجا، كبر، وصنع من كل ذلك وقودًا أوصله إلى مانشستر سيتي وريال مدريد وروما وإنتر، ليعود في نهاية مسيرته إلى فيورنتينا، وليعود أيضًا إلى المنتخب في لحظة تاريخية.
في كارديف، حين بدت البوسنة تتعثر أمام ويلز، جيكو في الدقائق الأخيرة ساوى النتيجة، وحمل منتخبه إلى الوقت الإضافي ثم إلى ضربات الترجيح التي حسمها البوسنيون بـ 4ـ1 أيضًا. وفي زينيتشا، كان حاضرًا في التشكيلة التي قلبت الحساب مع الإيطاليين، ليصبح هو الجسر الوحيد بين الجيلين.
جيل 2014 أُسِّست بنيته في بلدان اللجوء. ميرالم بيانيتش وُلد في بيياتش الصغيرة في شمال البوسنة عام 1990، غادرت عائلته إلى لوكسمبورج هربًا من الحرب، ومثَّل لوكسمبورج في المراحل الشبابية قبل أن يختار لاحقًا الدفاع عن ألوان البوسنة. لعب مع ليون وروما ويوفنتوس وبرشلونة وباشاك شهير، وجمع أكثر من 100 مباراة دولية مع منتخب بلاده.
إسمير بيجوفيتش، حارس مرمى المنتخب في 2014، وُلد في تزلا عام 1987، ومنذ عام 1992 سكن مع عائلته في سالزبورج قبل أن يعود ويصبح واجهة المنتخب وأحد أفضل حراس المرمى في دوري الأبطال الأوروبي. سياد كولاشيناتش، الظهير الأيسر، المولود عام 1993 الذي لعب مع بيانيتش وجيكو في مونديال 2014 لا يزال حاضرًا في هذا الجيل 2026، وهو الحلقة الثانية التي تربط بين الحقبتين، على الرغم من أنَّ دوره في التشكيلة الأساسية بات أقل رسوخًا مما كان.
قبل 12 عامًا تمامًا، في أكتوبر 2013، أرسل فيداد إيبيشيفيتش الكرة في الدقيقة 69 من مباراة ليتوانيا في كاوناس لتنتهي 1ـ0، ولتتحول العاصمة سارايفو إلى احتفال لم تشهده من قبل.
أكثر من 100 ألف شخص تجمعوا أمام النصب الأبدي في مركز المدينة لاستقبال لاعبين أعادوا للبوسنة شيئًا كانت تحتاجه: حضورًا على خريطة العالم بغير الدماء والخراب.
المنتخب آنذاك بقيادة صفوت سوشيتش شكّله عصب محوري: بيجوفيتش في الحراسة، إسمير سباهيتش قائدًا للدفاع، بيانيتش يُدير الوسط، زفيزدان ميسيموفيتش يوزع بين الخطوط، وجيكو وإيبيشيفيتش يتقاسمان عبء الهجوم. في البرازيل خرجت البوسنة من الدور الأول بفارق ضيق في المجموعة السادسة التي ضمت الأرجنتين ونيجيريا وإيران، إذ خسرت 2ـ1 أمام الأرجنتين، وخسرت 0ـ1 من نيجيريا، وفازت 3ـ1 على إيران في جولة انتهت مبكرًا.
المنتخب الذي وصل إلى نسخة 2026 يختلف تشكيلًا وعمرًا وخلفية عن جيل البرازيل، غير أنّه يحمل الخيط ذاته الممتد من الهجرة وإعادة البناء. بنيامين طاهيروفيتش المولود في السويد عام 2003 لأب من سارايفو يمثل ظاهرة الجيل الثالث من الشتات البوسني الذي عاد ليلعب للأصل لا للمهجر، وهو الأصغر في التشكيلة الرئيسة لمباراتي الملحق.
هاريس طاباكوفيتش، المولود في جرنشن السويسرية عام 1994، لعائلة بوسنية من مدينة ستوتش في الهرسك سجّل في مباراة إيطاليا بعد ثماني دقائق فقط من دخوله البديل ليُعيد التعادل في الدقيقة «79»، ثم أودع الكرة في شبكة دوناروما ضمن ضربات الجزاء بثقة لاعب يعرف أنَّ الفرص لا تتكرر كثيرًا. إرمدين ديميروفيتش، نجم شتوتجارت الألماني من أصول صربية سجَّل 5 أهداف في موسم 2026 قبل الملحق، ليكون الرأس الهجومي الأبرز لمنتخب المدرب سيرجي باربارتز، وأسمير بيجتارفيتش المولود في هولندا والمحترف في بي إس في آيندهوفن أطلق ركلة الجزاء الحاسمة الرابعة التي أسقطت دوناروما وأشعلت الملعب.
البوسنة في مجموعة B عام 2026 ستواجه كندا المضيفة وسويسرا وقطر، وأمامها فرصة أن تتجاوز الدور الأول الذي توقفت عنده عام 2014، خاصة أنَّ التشكيلة تضم جيلًا من اللاعبين الصغار في سن الذروة يتراوح بين 22 و32 عامًا، ومنتشرين في الدوريات الألمانية والهولندية والنمساوية والأوكرانية والكازاخستانية.
الفارق بين 2014 و2026 أنَّ هذا الجيل الجديد لم يعش الحرب مباشرة، لكنه يحمل رائحتها في السيرة الذاتية لكل من يحمل الاسم البوسني خارج الحدود، ويعرف أنَّ الملعب ليس مكانًا للتسلية فقط بل إثبات لوجود لم يكن مضمونًا ذات يوم.