الفيراري والفشار.. حرب التصريحات بين جيسوس وفيتوريا

الرياض - إبراهيم الأنصاري Ibrahimal_ansar@ 2026.04.19 | 02:49 pm

لم تكن بضعة أسابيع تكفي عادةً لولادة عداوة بهذا الحجم، لكن الكرة البرتغالية أنتجت في صيفية 2015 اللاهبة أحد أشهر العداوات في تاريخ كرة القدم ونتج عنها ما يكفي مادةً لسجال امتد أكثر من 10 أعوام وعبر قاراتٍ، وحمل اسمَين لا ثالث لهما هما جورجي جيسوس، مدرب فريق النصر الأول لكرة القدم، ومواطنه روي فيتوريا، مدرب الوصل قبل موقعة زعبيل.
جيسوس ابن مدينة أمادورا في ضواحي لشبونة، قضى 6 مواسم في بنفيكا بين 2009 و2015، حصد خلالها 10 ألقاب، منها 3 بطولات دوري، وكأس البرتغال، وكأس السوبر، و5 كؤوس رابطة، قبل أن يأخذ قرارًا أدهش البلد بأسره في يونيو 2015، بالتحاقه بسبورتينج لشبونة غريم بنفيكا اللدود، ناقلًا خبرته من النسر إلى الأسد في صفقة سُميّت آنذاك بالخيانة العظمى، وتكررت بعد 84 عامًا على خطى المدرب البريطاني آرثر جون الذي فعل الأمر ذاته عام 1931 ولم يحقق شيئًا في ألفالاده.
بنفيكا من جانبه لم يكن بصدد الجلوس حزينًا، الرئيس لويس فيليبي فييرا انتشل روي فيتوريا من قيادة فيتوريا جيماريش ووضعه على كرسي بنفيكا الساخن، رجلٌ من مدينة ريباتيجو، ولد عام 1970، دارس لعلم الكيمياء قبل أن يتحول إلى الكرة مدربًا، كان قد أدار الأندية الصغيرة صعودًا حتى بلغ فيتوريا جيماريش، ليجد نفسه فجأة في الدرب الكبير، جالسًا على كرسي تركه أضخم مدرب في تاريخ النادي.
لم تنتظر الحرب بين الرجلين أن تُطلق صافرة البداية على أرض الملعب، فقبل 3 أيام من «كلاسيكو» السوبر كوب في أغسطس 2015 جلس جيسوس أمام ميكروفونات قناة RTP البرتغالية وألقى قنبلته الأولى بصوتٍ هادئ لكن مضمونه كان ناريًا، قال حرفيًا: «الأفكار الموجودة هناك كلها أفكاري، بنفيكا لم يغيّر شيئًا، صفر، سأواجه فريقًا يعمل بأفكاري، أنا وصلت إلى سبورتينج وغيّرت كل شيء، الدماغ لم يعد هناك، التدريب لن يكون هو نفسه لكن كل ذلك لا يزال مستمرًا».
فيتوريا سمع وردّ بعد تتويج سبورتينج بكأس السوبر بهدوء مُكلَّف: «قلت إنني أتكلم حين أشاء، كما أشاء، ومع من أشاء، شخصيتي لا تتغير بسبب الفوز أو الخسارة، في هذه اللحظة مدرب سبورتينج يتكلم وحيدًا لأنني لا أشعر بالرغبة في الحديث معه، نقطة».
الجولة الأولى لصالح فيتوريا، غير أن جيسوس لم يلتزم الصمت طويلًا بعد الفوز الكبير على بنفيكا في عقر داره «دا لوز» أكتوبر 2015، وقف أمام الصحافيين وقال بنبرة تحمل سخرية مبطنة: «من السهل الرد على روي فيتوريا بعد أن تفوز، اليوم كنا قادرين على الفوز، بنفيكا لم تكن له ولا فرصة واحدة على المرمى، كان سهلًا أن أجعل روي فيتوريا بهذا الحجم الصغير، وهنا أشار بإصبعيه الإبهام والسبابة على مسافة ضيقة، ثم أضاف: لكنني لن أفعل ذلك، سأحترمه».
21 نوفمبر من العام ذاته، سبورتينج يخرج بنفيكا من كأس البرتغال، فيتوريا غاضب وإن كان يحتفظ بمسافة واحدة من الانفجار في كل مرة، قال: «أن تكون جيدًا لا يعني أن تكون سهلًا، هذه المرة الثالثة التي يُحرم فيها بنفيكا من ركلات جزاء واضحة، هذه هي تكتيكات الضجيج ولا أريد أن أُؤكل بالبصل، بنفيكا يستحق الاحترام»، ردّ جيسوس على الفور: «لا يحق له الشكوى لا من نهائي السوبر ولا من 3ـ0 في الدوري ولا من هذه المباراة، كل شيء كان نظيفًا، نظيفًا جدًا، كان التحكيم رائعًا».
في مطلع عام 2016 بلغت الحرب ذروتها، في الخامس من يناير قال فيتوريا في مؤتمر صحافي: «يبدو أن هناك 2 مدربَين مهووسَين ببنفيكا، أنا فقط مشغول به، أعرف الأهداف التي تقف وراء هذه المسرحية لكنني لا أعبأ بها، سأواصل عملي، أنا أملك شخصية ولن أتغير، لا أتلاعب بالحيل»، وبعد يوم واحد فقط في السادس من يناير وبعد فوز جيسوس على فيتوريا دي سيتوبال 6ـ0 قال المدرب الأكبر سنًا ما سيبقى في ذاكرة الكرة البرتغالية طويلًا: «بما أنني لا أُصنّفه كمدرب فإنني لا أكون زميلًا سيئًا، لكي يكون مدربًا يجب أن يكون أكثر من ذلك بكثير، أخرجته من جُحره وهذا ما أردته، لكي تقود بنفيكا عليك أن تتحمّل ذلك، ولكي تقود فيراري يجب أن يكون لديك الأداء المطلوب لها».
استعارة الفيراري تلك كانت استفزازًا موزونًا بدقة، فيتوريا يقود ناديًا وصفه صاحبه بأنه سيارة فارهة لا يملك مؤهلات قيادتها، الرد جاء في التاسع من يناير حادًّا ومُحدَّدًا: «قبل أن أصل إلى بنفيكا أمضيت 20 عامًا من المسيرة أفوز وأخسر كسائر المدربين، بعمري هو كان ربما يحارب من أجل الصعود أو البقاء في الدرجة الثانية»، فردّ جيسوس بعدما كشف عن قصده في كلامه الأول في مقابلة مع صحيفة ريكورد البرتغالية في سبتمبر من العام نفسه: «حاولت من خلال ما قلته قبل نهائي السوبر أن أؤثر قليلًا فيه وفي بنفيكا، أخذه نحو ما أردت، وهو بنفيكا الذي يعمل برأسه لا برأسي، من هنا انطلقت ميزة سبورتينج بوضوح».
في نهاية الموسم جاء أبلغ جواب في الكرة البرتغالية كلها، يوم 15 مايو 2016 توّج بنفيكا بطلًا في موسم جيسوس الأول مع سبورتينج ، وقف فيتوريا منتشيًا في مؤتمر صحافي الليلة ذاتها وقال ما جعل البلد كله يضحك أو يغضب: «خلال العام كله لاحظتم أننا مختلفون وأن طريقة تعاملي مع الحياة مختلفة تمامًا، عقلي يعمل بهذه الطريقة، في قائمة أولوياتي تأتي أولًا لاعبو فريقي ثم عائلتي ثم العاملون معي ثم زملاء العمل القدامى وفي المركز العشرين مدرسات بناتي وفي المركز 77 بائع الفشار في حفلة حضرتها وفقط في المركز التسعين يأتي مدرب سبورتينج بعد سائق كان يقلّني ذات مرة إلى بورتو».
لاحقاً أوضح فيتوريا موقفه: «كان هناك سعي متواصل لإشعال الفتنة، ما أردت قوله، وأقوله بوضوح، هو أنني عملت لأجلي ولأجلنا ولأجل بنفيكا ولم أعمل ضد أحد، ما فكر فيه الناس وقالوه لم يُزعزعني قليلًا ولا كثيرًا، لم يكن الأمر مريحًا لا من جهتي لأنني لم أفقد هدوئي مطلقًا، لكنني أرى أنه كان يجب أن يكون مختلفًا حتى بالنسبة للصورة المتوقعة من مدربَين محترفَين في المهنة ذاتها».
بعد 3 أعوام غادر جيسوس إلى السعودية حيث قاد الهلال، بينما ظل فيتوريا في بنفيكا حتى يناير 2019 حين تمت إقالته، وعقب أشهر قليلة سلك الطريق ذاته نحو السعودية لقيادة النصر، وكان جيسوس قد غادر للتو إلى البرازيل حيث قاد فلامنجو لتتويج تاريخي بلقب الليبرتادوريس ودوري المحترفين البرازيلي في عام 2019،
لكن القصة لم تنتهِ هنا، ففي صيف 2021 ، سحب قرعة دوري الأبطال الأوروبي فريقَي جيسوس وفيتوريا في مواجهة مباشرة بعد 6 أعوام من الهجوم والرد والصمت المؤلم، بنفيكا بقيادة جيسوس مقابل سبارتاك موسكو بقيادة فيتوريا في الدور الثالث التمهيدي لدوري الأبطال.
قبل المباراة الأولى في موسكو سُئل فيتوريا في مؤتمره الصحافي عن العلاقة مع جيسوس فأعلن أن شيئًا لم يتبدّل:«هذه مباراة بين بنفيكا وسبارتاك وبين مجموعتين متشابهتين في العظمة التي تُمثلانها لبلدَيهما، أما بالنسبة للمدربَين فهي مسلسل يُحبون تغذيته لكنني لست مهتمًا بذلك، لا شيء يتغيّر لكوني في بلد آخر، حتى الآن لم نتحدث قط، وبطبيعة الحال لن نتحدث الآن».
في المقابل جاء جيسوس أكثر برودةً مما اعتادت عليه الصحافة البرتغالية منه وقال: «مضت 6 أعوام، من سيتواجه هنا فريقان لا مدربان، أحترم سبارتاك وطاقمه التقني كمنافسَين، أتمنى أن يكونوا سعداء جدًا بعد المباراتَين معنا، ثم أضاف في إطار عام، روي فيتوريا حقق نجاحات في النادي الذي كنت فيه وهو بنفيكا، وحقق بعض النجاحات خارج البرتغال، وأتمنى من أعماق قلبي أن يحقق نجاحًا في سبارتاك وأن يكون بطلًا وأن يفوز بكل البطولات الموجودة في روسيا».
فاز بنفيكا 2ـ0 في موسكو وأتمّ التأهل بالفوز 2ـ1 في الإياب في لشبونة، وبعد المباراة الأولى قال جيسوس ما يبدو فيه تصنّع الحياد: «لا يوجد مبارزة بين مدربَين بل بين فريقَين، الفريق الذي كان أفضل هو الذي يفوز، كلا المدربَين مرّا من هنا أي بنفيكا، كلٌّ يدافع عن مصالحه وأنا أدافع عن مصالحي، كنا أفضل في المباراتَين، روي فيتوريا سيقطع بلا شك موسمًا جيدًا في روسيا وسيعمل من أجل أن يكون بطلًا لأن لديه فريقًا جيدًا وهذا شيء جيد له وللمدربين البرتغاليين».
في الإمارات وبعد 4 أعوام تعود المعركة مجددًا وعلى أرض أبعد ما تكون عن مدينة لشبونة هذه المرة في دبي، مسارَان متشابكان وأسماء متقاطعة على خريطة الكرة الأوروبية والعربية، من البرتغال إلى روسيا إلى السعودية، إلى الإمارات كأن الصدف أبت إلا أن يُبقيهما في المشهد نفسه بكاميرات مختلفة، عالمَان لا يلتقيان حتى اللحظة، والصمت بينهما أوضح من أي كلام.


Google News تابع آخر أخبار الرياضية على Google News