حبشي الشمري
الاستثمار الفاعل في التحليل الرياضي
2026-04-25
لم يعد النجاح الرياضي يُصنع فقط بأقدام اللاعبين على المستطيل الأخضر، أو بأيديهم في الألعاب المتنوعة، بل بالخوارزميّات والبيانات داخل غُرف الإدارات في القطاعات الرياضيّة المتنوعة.
لقد تحولت الأندية إلى كيانات اقتصاديّة ضخمة، ومع هذا التحول، برزت الحاجة الماسة إلى التحليلات المتقدمة كدرع واقية ضد الممارسات المالية المضللة، وسلاح فعال لتقليل الهدر وتعظيم الأرباح.
يقول الخبير في التسويق الرقمي جيف سوير «Jeff Sauer» مؤسس موقع Jeffalytics وهي منصة تعليمية متخصصة في تحليل البيانات والإعلانات المدفوعة وريادة الأعمال الرقمية: «مقابل كل 20 دولارًا تنفقها على أدوات التحليل الرقمية، يجب أن تنفق 80 دولارًا على العقول التي تفهم البيانات».
إن تحليل أداء اللاعبين في المنافسات المتعددة من شأنه تمكين الفريق من الوقوف على مكامن القوة فيه ومواطن الضعف بدقة، بدءًا من حركة اللاعبين في الميدان ومرورًا بالتفاعلات بين أفراد الفريق، والإسهام في الوقاية من الإصابات والتعافي من خلال مراقبة أحمال اللاعبين والمجهود البدني الذي يبذله كل لاعب على حدة، وصولًا إلى التعرف على أسلوب الفريق المنافس، وذلك من خلال الاستفادة من البيانات الدقيقة التي ينبغي لإدارة الفريق الوصول إليها، وهو ما يفترض أن يسهم في تحسين الأداء الفني للفريق، وتاليًا النتيجة التي يحوزها الفريق.
وتحدد شركة Catapult المتخصصة في تقنيات علوم الرياضة؛ العناصر الرئيسة لتحليل الأداء، بستة عناصر، أولها: حركات اللاعبين؛ من خلال تتبع تحركات اللاعبين في الملعب وتحليلها لفهم تمركز اللاعبين وأنماط حركتهم ومجهودهم البدني. تساعد هذه البيانات في تحسين أدوار اللاعبين ومسؤولياتهم أثناء المباريات.
وثانيها: الأنماط الاستراتيجية؛ عبر تحديد استراتيجيات وتشكيلات الفريق وتقييمها. من خلال فهم كيفية عمل الفريق في ظل ظروف مختلفة، يمكن للمدربين إجراء تعديلات مستنيرة على التكتيكات وخطط اللعب، ثم تحليل المنافس؛ من خلال دراسة نقاط قوة المنافس ونقاط ضعفه وأساليبه التكتيكية. هذا التحليل مهم للغاية للتحضير للمباريات، مما يسمح للفرق بتطوير استراتيجيات تستغل نقاط ضعف الخصم، ثم المراجعة ما بعد المباراة؛ إذ يتم تحليل لقطات وإحصائيات المباريات بعد المباريات لتقييم الأداء. تساعد هذه المراجعة في تحديد مجالات التحسين وتعزيز التكتيكات الناجحة، وكذلك التحليل الفردي للاعبين؛ إذ يتم التركيز على أداء اللاعبين الأفراد لتعزيز مهاراتهم ومساهماتهم في الفريق. ويشمل ذلك مراقبة المقاييس البدنية والمهارات الفنية والعوامل النفسية، وأخيرًا استخدام بيانات الأداء لتحديد وتقييم المحتملين للاستقطاب في الفريق، إذ يساعد تحليل الأداء في عملية الاستكشاف؛ من خلال توفير بيانات موضوعية عن قدرات اللاعبين ومدى ملاءمتها لاستراتيجية الفريق.
أظهر المرصد الدولي للدراسات الرياضية CIES أن نادي بنفيكا البرتغالي تصدّر قائمة أفضل الأندية الأوروبية في تحقيق فائض الانتقالات في 2025، بواقع 93 لاعبًا انتقلوا إلى اللعب في 47 دوريًّا حول العالم، محولًا اكتشاف المواهب إلى صناعة ربحية كبرى. إذ يعتمد النادي البرتغالي على التعلم الآلي والتحليلات التنبؤية لتمكين اللاعبين من فهم بياناتهم الشخصية وتطوير مستواهم باستمرار، مما يضمن وصولهم إلى أقصى طاقاتهم الرياضية والفنيّة.
يرتكز نجاح بنفيكا على قدرته الفريدة في تطوير المواهب الشابة مع الحفاظ على سلامتهم البدنية؛ إذ تسهم البيانات في تقليل الإصابات الخطيرة، مما يضمن استمرارية نمو اللاعب وبقاء قيمته السوقية مرتفعة.
وقد خلصت دراسة بعنوان «تطبيقات وآثار التحليلات القائمة على البيانات في تقييم لاعبي كرة القدم -Applications & implications of data-driven analytics in the football player valuation» منشورة في 2024، إلى أن نماذج التعلم الآلي «Machine Learning» أصبحت مهمة في سد الفجوة في التقييم المالي، ومنع التلاعب في أسعار الصفقات، مما يعزز الحوكمة المالية داخل الأندية ويحميها من خطر الإفلاس أو حتى التعرض للمخالفات. وسبقتها دراسة في 2021 تحت عنوان «أثر البيانات الضخمة وتحليلات الرياضة على كرة القدم الاحترافية: مراجعة منهجية للأدبيات - The Impact of Big Data and Sports Analytics on Professional Football: A Systematic Literature Review» حذّرت من أن الاعتماد المفرط على الطرق التقليدية ورؤية الوكلاء الشخصية يعرض النادي لخسائر، مشيرةً إلى أهمية الدور الذي تؤديه الأنظمة الحاسوبية الحديثة في مراقبة أداء اللاعبين والفريق تكتيكيًّا وحركيًّا، وأن هذا التحول الرقمي «يختصر الجهد البشري في جمع البيانات ويوفر قراءة تفصيليّة لمسارات الجري وأنماط اللعب».
إن التحليلات المتقدمة ليست أداة ترفيهية للأندية الكبرى، بل إنها أضحت جدار الحماية الأول. فالنادي الذي يفتقر اليوم إلى بنية تحتية قوية للبيانات، يترك نفسه مكشوفًا للتلاعب المالي، ويهدر أمواله في صفقات غير مأمونة، ويتنازل طواعية عن مبالغ معتبرة من العوائد التجارية المحتملة.