أحمد الحامد⁩
«سكة طويلة»
2026-04-29
أكثر الذين يستسلمون مبكرًا يكون ذلك بسبب أحد أمرين إما أن لديهم بديلََا آخر، أو أنهم لم يهيئوا أنفسهم لصعوبات الرحلة، واعتقدوا أن طريق النجاح أقصر مما توقعوا. قطع مسافة النجاح تتطلب خروجًا دائمًا من منطقة الراحة، وإخلاصََا صافيََا لا تخالطه شوائب الضعف والاستسلام. حساب يوميات خالد نشر من مذكرات الأديب أو «فيلسوف الأدباء» زكي نجيب محمود كما وصفه العقاد. في السطور التالية رسالة للذين استسلموا مبكرًا، وللذين يقفون على خط البداية الجديدة «أتدري كم ساعة كنت أقضيها في مكتبة الجامعة، لا أتحرك من مقعدي؟ كنت أول طالب يدخل المكتبة صباحََا عند فتح أبوابها، بالمعنى الحرفي لهذه العبارة، وآخر من يغادر المكتبة مساءََ عندما تغلق أبوابها، بالمعنى الحرفي مرة أخرى. وما زلت أذكر طالبََا إنجليزيََا كان يُعِدُّ هو الآخر رسالته للدكتوراه في الفلسفة، فسألني يومًا: كيف تستطيع التركيز العقلي طوال هذه الساعات التي أراك فيها مشدودََا إلى مقعدك في المكتبة؟ إنني أخرج وأغيب ثم أعود لأجدك ما زلت في جلستك غارقََا فيما يشبه الغيبوبة، وأنا أسألك: كيف تستطيع؟.. كما أذكر أيضََا طالبََا هنديََا صادفني في نادي الطلبة خلال عطلة الأسبوع، فما رآني حتى جمُدَ في مكانه قائلاََ بعد صمتٍ قليل: أهو أنت؟ إنك لا تعلم كيف أشقيتني! قلت: أنا أشقيتُك؟ كيف كان ذلك ومتى؟ قال: إنك تكبرني سنًا، وكنتُ كلما أخذ مني التعب في المكتبة وأهمُّ بالرحيل، أنظر خلفي فأراك جالسََا إلى كتبك لا تكاد تلتقط أنفاسك، فأقول لنفسي: اجلس وامضِ في عملك، فالذي مكّن هذا الرجل من مواصلة العمل يجب أن يمكنني، ثم أواصل العمل حتى تنهدَّ قواي هدًّا، وأنت ما زلت جالسََا، فأغادر المكتبة وأنا أصُبُّ عليك اللعنات! كتمت الجواب في صدري، ولو أفصحت عنه لقلت: إنها لذة المحروم، وقد تحقق له أمل ظنّه بعيد المنال».
* ألبرت هوبارد: لا تقِس التقدم بسرعة الوصول، بل بقدرتك على الاستمرار.