الازدحام بالآلاف على محلات ساعة «سواتش» أعاد لي قناعة نسيتها: لا تأخذ عقول الأكثرية على محمل الجد! لا تفسير عندي غير أن الأكثرية يمكن التلاعب بعقولها بحكايات صغيرة مثل «إصدار محدود»، أو غير متوفر إلا في محل معين، مثلما تفعل بعض شركات العطور عندما تعرض عطرها الجديد في «هارودز» كإصدار حصري! آلاف الناس المحتشدين أمام المحلات من أجل ساعة دليل أن الحصول على شهادة عليا لا تحمي صاحبها من الخداع السهل، لأن معظم الواقفين في الطوابير جامعيين، ولو تحدثت مع واحد منهم فلن تجد عنده نقصََا في المعرفة، على الأقل في المجال الذي تخصص فيه، وهو نفسه إذا سألته عن معنى وقوفه لساعات من أجل شراء ساعة ليس بحاجتها قد يصفك بالمتخلف، والخارج عن إيقاع الزمن! تتعامل الشركات التجارية مع عقول الناس باستخفاف لأنها استسهلت خداعهم، لذلك يعرضون على الزبون قطعتين بسعر قطعة، أوثلاث قطع بسعر قطعتين، وهو يعتقد بذلك أنه أمام فرصة تجارية قد لا تتكرر، فيشتري أكثر مما يحتاج، وما لا يحتاج. في «ترند» الساعة الذي يشتهر حاليََا استطاعت الشركة بنجاح إيهام الواقفين في الطوابير أنهم أمام فرصة نادرة، وحرصت على عدم توفيرها في كل الفروع، وغير متاحة عبر الإنترنت، فحدث ما حدث مع تزاحم وطوابير. المتابع للشركة قبل طرح الساعة يجد أنها كانت تعاني من انخفاض مبيعاتها مقابل تكاليف التشغيل والمنافسة الشرسة. قرأت أن سعر الساعة ارتفع، وبعض الذين استطاعوا شراءها قاموا ببيعها بأضعاف سعرها وصل إلى عشرين ضعفًا. يقول بعض الاقتصادين إن ندرة المنتج ترفع قيمته في عقول الناس، وهذا ما تفعله الشركات المالكة لمناجم الألماس، تكدس الألماس في مخازنها لتجعله نادرًا في السوق، مع أن الألماس غير نادر. في النهاية ربحت الشركة المصنعة لساعة «سواتش»، وأكد الذين وقفوا في الطوابير طويلًا أن الشهادات الدراسية تُعلم الإنسان مهنة، لكن الوعي مسؤوليته هو!