خالد الشايع
خدعة الملايين: كيف دمر التدليل منتخبنا؟
2026-06-24
بعيدًا عن الخسارة من إسبانيا، بات التنظير سهلًا والانتقاد أسهل منه لدرجة أن لاعبين لم يحققوا ولا 10% مما حققه لاعبو المنتخب الحالي انتقدوهم بطريقة تشعر معها بأنهم كانوا أساطير خارقة، الكل صار يفتي والكل له وجهة نظر والكل حتى من لا يفهم كرة ولم يدخل في حياته لملعب يحلل ويصور العلة ويقترح العلاج.. باتت الساحة الرياضية مستباحة للجميع دون استثناء.
التعامل مع الخسارة بـ 4 من بطل العالم وأوروبا وكأنها نهاية المطاف، نظرة تعكس ذاكرة تاريخية انتقائية، فالمنتخب السعودي لم يكن يومًا محصنًا ضد النتائج الثقيلة، والتاريخ يشهد بالهزائم الكبيرة التي تلاحق المنتخب منذ مونديال 1998 وحتى قبل ذلك، وستستمر لاحقًا لسببين الأول أن الخسارة واردة في كرة القدم خاصة ممن هم أفضل منك، والثاني أننا لا نحاول أن نعالج الخلل الحقيقي، فالقضية ليست طارئة ولا علاقة لها بالأسماء، ومثل هذا الطرح مجرد تسطيح لمشاكل الكرة السعودية ومحاولة لإدخال الأندية والميول في القضية بطريقة تأخذنا بعيدًا عن جوهر العجز عن تكوين لاعب حقيقي، ونحن نأمل في مستويات ونتائج أفضل لكن يجب أن نتحلى بالواقعية ونؤمن بأن هذا هو أفضل ما يمكن أن يقدمه اللاعب السعودي في ظل التركيبة الرياضية الحالية.

نلوم دونيس لأنه دافع ولكن لو لم يفعل وفتح اللعب لتكررت خسارة ألمانيا المذلة، فالأمر يتجاوز مجرد حماس وروح كما يحاول البعض تصويره، والفارق بيننا وبين قوى عالمية مثل منتخب إسبانيا ليس في جودة الاستحواذ وبناء اللعب فحسب، بل في الفلسفة والبيئة الاحترافية، فنحن نحب كرة القدم ولكنهم يمتهنونها ونحن نلعبها للتسلية وهم يلعبونها للعيش، والمنظومة الرياضية لديهم متطورة عنا بسنوات ضوئية بينما الأزمة الحقيقية لدينا تطال مقومات اللاعب الأساسية، ولم يكن الإيطالي مانشيني أول من صرح بأن اللاعب السعودي يفتقر لأساسيات كرة القدم، بل سبقه الهولندي بينهاكر والصربي سانتراش وغيرهم كثير، لأن التدريب في فئات البراعم والشباب شبه منعدم ويعتمد على الموهبة الفردية الخام فقط، ويعاني بناء اللاعب من خلل كبير، ونظرة واحدة للمقارنة بين قوة لاعبينا وخصومهم في الالتحامات البدنية تكشف لك عن حجم الفجوة الجسدية الضعيفة للاعبينا، وإذا أردنا صناعة لاعب حقيقي فعلينا أن ننزل لاعبينا لمنزلتهم الحقيقية وإعادتهم للصفر من جديد، فلا يمكن أن تطالب بلاعب يستلم 10 ملايين ريال سنويًا دون أن يفعل شيئًا ليطور نفسه، فما الدافع الذي أبقيته له؟.
دعوهم يقاتلون على خاناتهم ولا يركنون لكوتة اللاعب المحلي التي ضاعفت من رواتبهم بشكل لا يستحقه غالبيتهم، ونحن بحاجة لإعداد جيل محترف من ناحية التغذية والمهارات والإعداد البدني والسرعة والتكنيك بعيدًا عن اللعب العشوائي والحماس، وحتى لو فزنا على الرأس الأخضر وتأهلنا يجب ألا ننسى أننا ما زلنا نتخبط وأن المنظومة لم تعد صالحة.
لم تكن المشكلة يومًا في المال، بل في غياب المشروع الحقيقي الذي يجعل المال يصنع كرة قدم حقيقية ومشروعًا مستدامًا يصنع منتخبًا يعكس الشغف التاريخي للسعوديين لكرة القدم، والوقوف كثيرًا عند مباراة إسبانيا وجلد الذات لا قيمة له الآن، فأمامنا مباراة مهمة لا خيار فيها سوى الفوز وبعدها يفترض أن يبدأ العمل الحقيقي والمشروع الجاد لكأس العالم 2034.