سعد المهدي
الأرجنتين جماعة في رجل
2026-07-17
تصاعدُ أداء منتخب الأرجنتين من النعومة إلى الشراسة أمام الإنجليز حرمهم من تخيُّلِ لعب النهائي، وأركبهم آلة الزمن، وأعادهم إلى 66 م من أجل العد من جديدٍ للوصول إلى نهائي مونديالي ربما لن يأتي ثانيةً، في حين اختفت أضواء منتخب فرنسا، إذ أدخلهم الإسبان في متاهة الاستحواذ، وأسقطوهم من عليائهم، وانتصرت الـ «تيكا تاكا» على «الحرفنة»، و«الطائرات المسيَّرة البشرية» كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي.

حامل اللقب الأرجنتين دخل المونديال متصدرًا التصنيف العالمي لشهر يونيو دون أن يُبرِز عضلاته. كان متواضعًا، وانتهج أسلوب «السهل الممتنع»، فالأداء والأفكار بعقلية «جماعة في رجلٍ» حيث ليونيل ميسي «المهارات والقدرات ما يعادل عملًا كاملًا لمجموعة». وقد عاد مرتين في الدور الإقصائي أمام مصر وإنجلترا، وخنق الخسارة، واستنشق أوكسجين الفوز.

عابوا على حسام حسن، مدرب منتخب مصر، أنه لم يلجأ الى الدفاع، ويُدخل مَن يؤدي هذا الدور بعد أن تقدَّم بنتيجة 2ـ0 ما مكَّن الأرجنتين من تسجيل ثلاثة أهدافٍ في عشر دقائق، لكنَّ الألماني توماس توخيل، مدرب إنجلترا، عمل بالنصيحة، وأدخل ثلاثة مدافعين، ليحافظ على هدف التقدُّم في الـ 20 دقيقة المتبقية إلا أنه خسر أيضًا 1ـ2! كانت هذه بمنزلة صك براءةٍ لحسام حسن، وإدانةٍ للمحللين والنقَّاد.

مباراتا الدور نصف النهائي أخرجتا أسوأ آماقي المنتخبين الفرنسي والإنجليزي، وأحسن ما في الأرجنتين وإسبانيا. قبل هاتين المباراتين كان، على الأقل، المنتخب الأرجنتيني مستبعدًا من قِبل الكثيرين من الوصول إلى النهائي، ولم يُظهر الإسبان شخصيتهم الفنية الحقيقية، خاصَّةً في دور المجموعات. وعن الأرجنتين، يُنسَب هذا التحوُّل لقائده ميسي، إذ ثبت أن العقل المدبِّر داخل المجموعة يكون سلاحًا فتَّاكًا إذا اتَّصف بالعطاء، والإيثار، وصدق به الكل حقيقةً لا مجاملةً، أو تحت ضغطٍ.

دونما شكٍّ، إن أكبر الخاسرين في هذا المونديال، هو المنتخب الإنجليزي، إذ قد لا تتاح له فرصةٌ أخرى للحصول على جيلٍ من اللاعبين، مثل الحاليين، بهذه القيمة الفنية، ليس بتقدُّم السن، لكن بالتألُّق الفاعل، فالمجموعة المنسجمة لا تكون مضمونةً، إذ لا يزال ساكا في سن الـ 24، وبيلينجهام في الـ 23، وكوبي في الـ 21، وجوردون في الـ 25، وهم من نجوم المنتخب، لكنْ هندرسون 35، والقائد هاري كين 32 قد لا يمكنهما اللحاق بمونديال 2030، كما أن خروجهم على يد منتخب الأرجنتين وليس غيرها في استعادةٍ لذكريات حربٍ بين البلدين عام 82 م، أودت بحياة المئات من الطرفين، أعاد السجال السياسي الصاخب بينهما، ونكأ جراح الماضي وما سبَّبه من ألمٍ.

طرفا النهائي الثاني الإسباني، والسابع الأرجنتيني، هذه فرصةٌ لكليهما لاستعراض ما في جعبة «مجازًا» المدرستين الكرويتين «اللاتينية والأوروبية»، وإذا ما كان «لامين يامال» عازمًا على تقديم نفسه دفعةً واحدةً، أم سيظلُّ متحفِّظًا كما بدا عليه خلال مبارياته التي لعبها حتى الآن، كذلك ما شكل لقطة ختام «ليونيل ميسي»، وإذا ما ستتوِّج ما قدَّمه في هذا المونديال، أم ستُلقي بظلالٍ قاتمةٍ عليها.