الخلود.. فكرة هاربورج بدأت من «نتفليكس»
في مسيرة الأمريكي بن هاربورج، تتداخل خيوط الاستثمار العابر للقطاعات مع شغف مبكر بكرة القدم، وجد طريقه لاحقًا إلى التملك الرياضي، أولًا عبر حصة محدودة في نادي قادش الإسباني، واستحواذ كامل تاليًا على نادي الخلود.
وُلِد هاربورج في ولاية كولورادو الأمريكية عام 1983، وتلقى تعليمه الثانوي في مدرسة بارينجتون بولاية إلينوي، ونال بكالوريوس الأدب من جامعة تافتس في ولاية ماساتشوستس، ثم حصل على منحة تعليمية من برنامج فولبرايت، استغلها لدراسة العلوم الإسلامية والشرقية بجامعة بوخوم الألمانية.
وخلال فترة مراهقته، زار مدينة «إل بويرتو دي سانتا ماريا» الإسبانية، وحضر مباراة لفريق قادش، وبسببها وقع في غرام كرة القدم، واضعًا بذلك حجر الأساس لما سيُصبح مشروعه الاستثماري مستقبلًا.
على الصعيد المهني، استهلّ مسيرته عام 2007 محللًا لدى مجموعة بوسطن الاستشارية لتحسين الأداء واتخاذ القرارات وتطوير الأعمال. وكانت بدايته من مكتبها في ألمانيا، قبل الانتقال إلى فرع الشرق الأوسط.
وخلال 2010، عُيِّن مديرًا للاستثمارات وعمليات التعدين في شركة «CWT» المحدودة، وهي شركة لتجارة السلع والخدمات اللوجستية كانت مُدرجة آنذاك في بورصة سنغافورة، وأمضى فيها 5 أعوام.
وفي 2015 انتقل من الوظائف إلى ريادة الأعمال حين أسَّس، برفقة المستثمرة الصينية جيني زينج، شركة «MSA Capital» المتخصصة في الاستثمار التكنولوجي، خلافًا لمجال خبرته السابقة. وبعد 3 أعوام أنشأ شركة «MSA Novo» وهي ذراع تابعة للأولى، تركز على التخصص ذاته في الأسواق الناشئة.
وعندما بثت منصّة «نتفليكس» بدءًا من عام 2018 السلسلة الوثائقية «سندرلاند حتى الموت» التي تستعرض مسيرة النادي الإنجليزي، ومراحل صعوده وهبوطه، تيقّظ بداخله ذلك الغرام الكروي المُلازم له منذ حضوره مباراة قادش أيام المراهقة، وعندئذ قرر امتلاك نادي كرة قدم.
وكما شرح بنفسه عبر ظهور إعلامي سابق، أدخل هاربورج على حاسوبه الشخصي بيانات جميع الفرق الثمانين الناشطة ضمن الدرجات الثلاث الأولى من الدوري الإسباني في جدول «إكسل»، وقيَّم معايير رئيسة مثل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للبلد، وحجم قاعدة الجماهير، وسعة الملعب، واستنبط أنَّ نادي قادش هو الخيار الأمثل من حيث القيمة مقابل المال.
ولهذا السبب، اشترى في أكتوبر 2021 حصة قدرها 6.5% من ملكية النادي نفسه الذي جعله يعشق كرة القدم.
لكن هذه النسبة المحدودة تقيِّد صلاحياته، ولا تمنحه مساحة كافية لتطبيق رؤيته الخاصة في أسلوب الإدارة، ومن هنا دهمته فكرة الاستحواذ الكامل على نادٍ آخر، ووقع اختياره على الخلود، مستغلًا عرضه للتخصيص عبر الطرح العام، بموجب المسار الثاني من مشروع «استثمار وتخصيص الأندية الرياضية»، الذي أطلقه الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، في يونيو 2023.
وبدءًا من يوليو 2025، انتقلت ملكية الخلود بالكامل لشركة «Harburg Group» التي أسسها رجل الأعمال الأمريكي لتجميع وإدارة استثماراته في الأندية الرياضية، وبات أوّل ناد سعودي تستحوذ عليه جهة استثمارية أجنبية.
ولا تتوفّر تقديرات موثوقة معلنة لثروة هاربورج، إلا أن مسيرته تشير إلى رصيد مالي كبير راكمه عبر استثمارات في شركات مثل «إير بي إن بي» و«أوبر» و«بالانتير تكنولوجيز»، إلى جانب شركته «MSA Capital»، التي تدير أصولًا تتجاوز ملياري دولار.
ويتبنى الأمريكي نهجًا استثماريًا في إدارة الخلود يرتكز على اكتشاف وتطوير اللاعبين الشباب من مختلف الجنسيات، بهدف تسويقهم لاحقًا لتحقيق أرباح مستقبلية، وانعكس ذلك التوجُّه على نوعية الأسماء التي تعاقد معها، مثل الإنجليزي جون باكلي، والليتواني إدجاراس أوتكوس، والأرجنتيني راميرو إنريكي، وجميعهم من العناصر الشابة.
وخلافًا للنمط التقليدي لرؤساء الأندية، القائم على العمل من خلف المكاتب، يولي هاربورج أهمية للتواصل المباشر مع مجتمع الرس وجمهور المنطقة، وعن ذلك يقول: «أجلس في المدرجات مع الجماهير، لا في مقصورة كبار الشخصيات. أزور المستشفيات والأكاديميات والمدارس يوميًا للتحدث مع المشجعين. أحضر على مواقع التواصل الاجتماعي على مدار الساعة، أتحدث مع الناس وأسألهم كيف يمكنني تطوير الفريق». ويعتقد أن ذلك سيساعده في «بناء قاعدة جماهيرية وفيّة لشيء لم يكن موجودًا قبل شهرين أو ثلاثة».
ويتنقّل الأمريكي كثيرًا من الرس، معقل ناديه، إلى الرياض، بعدما أدرك بحسّه الاستثماري ثِقل العاصمة، بصفتها محورًا لاستقطاب عقود الشراكة، التي أعلن النادي عن إبرام العديد منها خلال الأشهر الماضية.
ويُلاحظ اعتماده في تنقلاته على سائق خاص، مفضلًا استثمار الوقت في بناء روابط التواصل مع الجماهير ومتابعة الملفات الإدارية للنادي، بدلًا من الانشغال بقيادة السيارة.
وتوازيًا مع تطبيق رؤيته بعيدة المدى في ناديه، استطاع الفريق تحقيق هدفٍ فوري خلال الموسم الأول لهاربورج، بوصوله للمرة الأولى إلى نهائي كأس خادم الحرمين الشريفين. وإذا فاز على الهلال، الجمعة، وحقق اللقب، فسيكتسب زخمًا إعلاميًا مضاعفًا من شأنه رفع القيمة الاستثمارية للمشروع وتعزيز فرص الشراكات وخطط النمو الاقتصادي.
